ابن أبي الحديد
76
شرح نهج البلاغة
الأصل : منعتها منذ القدمة ، وحمتها قد الأزلية ، وجنبتها لولا التكملة ، بها تجلى صانعها للعقول ، وبها امتنع عن نظر العيون ، ولا تجرى عليه الحركة والسكون ، وكيف يجرى عليه ما هو أجراه ، ويعود فيه ما هو أبداه ، ويحدث فيه ما هو أحدثه . إذا لتفاوتت ذاته ، ولتجزأ كنهه ، ولامتنع من الأزل معناه ; ولكان له وراء إذ وجد له امام ، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان ; وإذا لقامت آية المصنوع فيه ، ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه ، وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره * * * الشرح : قد اختلف الرواة في هذا الموضع من وجهين : أحدهما قول من نصب ( القدمة ) و ( الأزلية ) و ( التكملة ) فيكون نصبها عنده على أنها مفعول ثان ، والمفعول الأول الضمائر المتصلة بالافعال ، وتكون ( منذ ) و ( قد ) و ( لولا ) في موضع رفع بأنها فاعلة ، وتقدير الكلام إن اطلاق لفظة ( منذ ) على الآلات والأدوات يمنعها عن كونها قديمة ، لان لفظة ( منذ ) وضعت لابتداء الزمان كلفظة ( من ) لابتداء المكان ، والقديم لا ابتداء له ، وكذلك اطلاق لفظة ( قد ) على الآلات ، والأدوات تحميها وتمنعها من كونها أزلية ، لان ( قد ) لتقريب الماضي من الحال ، تقول قد قام زيد ، فقد دل على أن قيامه قريب من الحال التي أخبرت فيها